محمد متولي الشعراوي

4202

تفسير الشعراوى

كأنه يقول لهم : إن الوعد الذي وعده الحق لكم قد جاء لكم بالمنهج الذي نزل على الرسل . ومهمة الرسل صعبة ؛ فليست مقصورة على التبليغ باللسان لأن مشقاتها كلها على كاهل كل رسول ، ولا تظنوا أن ربنا حين اختار رسولا قد اختاره ليد لله على رقاب الناس ، لا . لقد اختاره وهو يعلم أن المهمة صعبة ، والرسول صلى اللّه عليه وسلم - كما تعلمون - لم يشبع من خبز شعير قط ، وأولاده وأهله - على سبيل المثال - لا يأخذون من الزكاة ، والرسل لا تورث فجميع ما تركوه صدقة ، وكل تبعات الدعوة على الرسول ، وهذه هي الفائدة في أنه لم يقل على لسان رسول ، لأن الأمر لو كان على لسان الرسول فقط لأعطى البلاغ فقط ، إنما « عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ » . تعطى البلاغ ومسؤولية البلاغ على هذا الرجل . أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ ( من الآية 63 سورة الأعراف ) ما هو العجب ؟ لقد كان العجب أن تردوا الألوهية والنبوة . وبعضهم لم يرد الألوهية ورد فكرة النبوة على الإنسان . وطالب أن يكون الرسول من الملائكة ؛ لأن الملائكة لم تعص ولها هيبة ولا يعرف عنها الكذب . لكن كيف يصبح الرسول ملكا ؟ وهل أنت ترى الملك ؟ إن البلاغ عن اللّه يقتضى المواجهة ، ولا بد أن يراه القوم ويكلموه ، والملك أنت لن تراه . إذن فلسوف يتشكل على هيئة رجل كما تشكل جبريل بهيئة رجل . إذن أنتم تستعجبون من شئ كان المنطق يقتضى ألّا يكون . وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا ( 94 ) ( سورة الإسراء ) وقولهم هذا في قمة الغباء . فقد كان عليهم أن يتهافتوا ويقبلوا على الإيمان ؛ لأن الرسول منهم . وقد عرفوا ماضيه من قبل ، وكذلك أنسوا به ، ولو كانت له انحرافات قبل أن يكون رسولا لخزى واستحيا أن يقول لهم : استقيموا . وما دام هو منكم وتعرفون تاريخه وسلوكه حين دعاكم للاستقامة كان من الواجب أن تقولوا لأنفسكم : إنه لم يكذب في أمور الدنيا فكيف يكذب في أمور الآخرة ، ولم يسبق له أن كذب على خلق اللّه فكيف يكذب على اللّه ؟ ولأنه منكم فلابد أن يكون إنسانا ولذلك قال الحق : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ( 9 ) ( سورة الأنعام )